أحمد بن محمد المقري التلمساني
304
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
الملد عطف المترانح المتخايل ، فإنا كتبناه إليكم كتب اللّه لكم عزا يانع الخمائل ، ونصرا يكفل للكتائب المدونة في الجهاد ومرضاة رب العباد بسرد المسائل وإقناع السائل ، من حمراء غرناطة حرسها اللّه تعالى ! ولا زائد بفضل اللّه سبحانه إلا استبصار في التوكل على من بيده الأمور ، وتسبب مشروع تتعلق به بإذن اللّه تعالى أحكام القدر المقدور ، ورجاء فيما وعد به من الظهور ، يتضاعف على توالي الأيام وترادف الشهور ، والحمد للّه كثيرا كما هو أهله ، فلا فضل إلا فضله ، ومقامكم المعروف محله ، الكفيل بالإرواء نهله وعلّه ، وإلى هذا وصل اللّه تعالى سعدكم ، وحرس مجدكم ، ووالى النعم عندنا وعندكم ، فإننا في هذه الأيام ، أهمنا من أمر الإسلام ، ما رنّق الشراب « 1 » ونغض الطعام ، وذاد المنام « 2 » ، لما تحققنا من عمل الكفر على مكايدته ، وسعى الضّلّال ، واللّه الواقي ، في استئصال بقيته ، وعقد النوادي للاستشارة في شانه ، وشروع الحيل في هد أركانه ، ومن يؤمّل من المسلمين لدفع الردى وكشف البلوى وبث الشكوى ، وأهله حاطهم اللّه تعالى وتولاهم ، وتمم عوائد لطفه الذي أولاهم ، فهو مولاهم ، في غفلة ساهون ، وعن المغبة « 3 » فيه لاهون ، قد شغلتهم دنياهم عن دينهم ، وعاجلهم عن آجلهم ، وطول الأمل ، عن نافع العمل ، إلا من نوّر اللّه تعالى قلبه بنور الإيمان وتململ بمناصحة اللّه تعالى والإسلام تململ السليم « 4 » ، واستدل بالمشاهد على الغائب « 5 » ، وصرف الكفر إلى مطالب الأمم النوائب ، فلما رأينا أن الدولة المرينية التي على ممر الأيام « 6 » شجا العدا ، ومتوعد من يكيد الهدى ، وفئة الإسلام التي إليها يتحيز ، وكهفه الذي إليه يلجأ ، قد أذن اللّه تعالى في صلاح أمورها ، ولمّ شعثها ، وإقامة صغاها « 7 » ، بأن صرف اللّه تعالى عنها هنات الغدر ، وأراحها من مس الضر ، ورد قوسها إلى يد باريها ، وصير حقها إلى وارثها ، وأقام لرعي مصالحها من حسن الظنّ بحسبه ودينه ، ورحي الخير من ثمرات نصحه ، ومن لم يعلم إلا الخير من سعيه والسداد من سيرته ، ومن لا يستريب المسلمون بصحة عقده ، واستقامة قصده ، أردنا أن نخرج لكم عن العهدة في هذا الدين الحنيف الذي وسمت دعوته وجوه أحبابكم شملهم اللّه تعالى بالعافية ، وتشبثت به أنفس من صار إلى اللّه تعالى من السلف تغمدهم اللّه بالرحمة والمغفرة ، وفي هذا القطر الذي بلاده ما بين مكفول يجب رعيه طبعا وشرعا ، وجار يلزم حقه دينا ودنيا وحمية وفضلا ، وعلى الحالين فعليكم بعد اللّه المعوّل ،
--> ( 1 ) رنق الشراب : كدره . ( 2 ) ذاد المنام : منعه وطرده . ( 3 ) المغبة : العقبى ، العاقبة ، النهاية . ( 4 ) السليم : الملدوغ . ( 5 ) في ب « بالشاهد على الغائب » . ( 6 ) في ب « على مر الأيام » . ( 7 ) في أ « صفاها » . والصفا : الميل .